أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
106
العقد الفريد
وجهه إليها وقال : بحياتي إلا أعطيتيه حق قيادته وفضوله ! قالت : أما حق قيادته فعرك أذنه ، وأما حق فضوله فصفع قفاه ! فاستقبلني مسلم فعرك أذني وصفعني ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : جرى الحكم عليك بما جرى لك من العذل والاستحقاق ! الخدم والقيان الحسين بن الضحاك وشفيع خادم المتوكل حدثنا عيسى بن أحمد الكاتب قال : قال الحسين بن الضحاك : دخلت على جعفر المتوكل ، وشفيع الخادم ينضد وردا بين يديه - ولم يعرف في ذلك الزمان خادم كان أحسن منه ولا أجمل - وعليه ثياب مورّدة ، فأمره أن يسقيني ويغمز كفي ؛ ثم قال لي : يا حسين ، قل في شفيع . وقد كان حيّا المتوكل بوردة ، فجعل المتوكل يشرب ويشمّ الوردة ؛ فقلت : وكالدّرّة الحمراء حيّا بأحمر * من الورد يمشي في قراطق كالورد « 1 » ويغمز كفّي عند كلّ تحيّة * بكفّيه تستدعي الشجيّ إلى الورد « 2 » سقاني بكفّيه وعينيه شربة * فأذكرني ما قد نسيت من العهد سقى اللَّه دهرا لم أبت فيه ليلة * من الدّهر إلا من حبيب على وعد ! فأمر المتوكل شفيعا أن يسقيني ، وبعث معه إلي بتحايا في عبير وشمّامات « 3 » وروي أن محمد بن عبد الملك الزيات وزير المتوكل كان يتعشق خادما للمتوكل يقال له شفيع ، وكان الحسن بن وهب كاتبه كلفا بذلك الخادم : فلقيه الحسن بن وهب يوما ، فسأله عن خبره ، فأخبره أنه يريد أن يحتجم ؛ فلم يبق بالعراق غريبة إلا بعث بها إليه ، ولا ظريف من الأشربة إلا أدخله عليه ، وكتب إليه بهذه الأبيات : ليت شعري يا أملح الناس عندي * هل تعالجت بالحجامة بعدي ؟
--> ( 1 ) القراطق : القباء . ( 2 ) يقال : غمز فلانا بالعين أو الجفن أو الحاجب : أي أشار اليه بها . ( 3 ) الشمامات : ما يتشمم من الروائح الطيبة .